الشيخ محمد رشيد رضا
631
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
أي يخرج الزرع من نجم وشجر وهو حي - أي متغذّ نام - من الميت وهو ما لا يتغذى ولا ينمي من الحب والنوى وغيرهما من البزور كما يخرج الحيوان من البيضة والنطفة . فان قيل إن علماء المواليد يزعمون أن في كل أصول الاحياء حياة فكل ما ينبت من ذلك ذو حياة كامنة إذا عقم بالصناعة لا ينبت . قلنا إن هذا اصطلاح لهم يسمون القوة أو الخاصية التي يكون بها الحب قابلا للانبات حياة ولكن هذا لا يصح في اللغة الا بضرب من التجوز وانما حقيقة الحياة في اللغة ما يكون به الجسم متغذيا ناميا بالفعل وهذا أدنى مراتب الحياة عند العرب ولها مراتب أخرى كالاحساس والقدرة والإرادة والعلم والعقل والحكمة والنظام ، وهذه أعلى مراتب الحياة في المخلوق ، وفوق ذلك حياة الخالق التي هي مصدر كل حياة وحكمة ونظام في الكون . وما قلنا إنه الحقيقة أظهر من مقابله وهو جعل اطلاق الميت على الحب والنوى من مجاز التشبيه كأنه لما لم تظهر فيه آيات حياته الكامنة من النماء وغيره سمي ميتا ، فان واضعي اللغة في طور البداوة لم يكونوا يعلمون ان في الحب والنوى صفة هي مصدر النما ، قد تزول فلا يبقى قابلا للانبات . وجعل بعضهم كلا من الحي والميت هنا مجازا ويرده مثل قوله تعالى ( وَجَعَلْنا مِنَ الْماءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ ) وَمُخْرِجُ الْمَيِّتِ مِنَ الْحَيِّ كالحب والنوى من النبات والبيضة والنطفة من الحيوان وهذا قيل إنه عطف على « فالِقُ الْحَبِّ » لان الأصل في الكلام الفصيح أن يعطف الاسم على الاسم ، ولان اخراج الميت من الحي لا يدخل في بيان فالق الحب والنوى ، وقيل أنه عطف على « يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ » سواء كان بيانا لما قبله أو خبرا بعد خبر ، لان التناسب بين هذين الامرين المتقابلين أقوى من التناسب بين الثاني وبين فلق الحب والنوى ، ولذلك وردا بصيغة الفعل في سورتي يونس والروم ( يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ ) * وقد حسن عطف اسم الفاعل ( مخرج ) على الفعل ( يخرج ) لنكتة بيان التفاوت بين الامرين مع كون اسم الفاعل بمعنى فعل المضارع فان مخرج الشيء هو الذي يخرجه في الحال أو الاستقبال ، ولكن هذا الفعل يدل أيضا على التجدد والاستمرار . وقد يراد بوضعه موضع اسم الفاعل أو موضع الفعل الماضي إفادة تجدده واستمراره ، أو تصور حدوث متعلقه واستحضار صورته ، مثال الأول المقابلة التي